عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

66

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

فإن قلت : كان قد جمع من الرقاع في أيام أبي بكر ، فأي حاجة إلى استحضارها في أيام عثمان ؟ قلت : يأتي جواب هذا في آخر الباب . وذكر أبو عمرو الداني في كتاب « المقنع » أن عثمان قال : يا أصحاب محمد ، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما يجمعهم ؛ قال : وكانوا في المسجد فكثروا ، فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون : إنه أقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هذه الآية فلان بن فلان ، وهو على رأس أميال من المدينة ، فيبعث إليه فيجيء ، فيقولون : كيف أقرأك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم آية كذا وكذا ؟ فيقول : كذا ، فيكتبون كما قال . واللّه أعلم . وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن هشام « 1 » عن محمد - وهو ابن سيرين - قال : كان الرجل يقرأ ، حتى يقول الرجل لصاحبه : كفرت بما تقول . فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان ، فتعاظم ذلك في نفسه ، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار ، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ، فأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر ، فيها القرآن . قال البيهقي في كتاب « المدخل » : واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرأه إلا « سورة براءة » ، فإنها كانت من آخر ما نزل من القرآن . ولم يبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لأصحابه موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا ، فقرنها الصحابة رضي اللّه عنهم ب « الأنفال » . وبيان ذلك في حديث ابن عباس ، قال : قلت لعثمان رضي اللّه عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى « براءة » وهي من المئين ، وإلى « الأنفال » وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما ، ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ فقال : كانت « الأنفال » من أول ما نزل عليه بالمدينة ، وكانت « براءة » من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها تشبه قصتها ، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولم يبين أمرها ، فظننت أنها منها « 2 » . قال البيهقي : وفيما رويناه من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من

--> ( 1 ) هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي ، أبو عبد اللّه البصري ، توفي سنة 147 ه . ( انظر ترجمته في : الطبقات الكبرى 7 / 200 ، كتاب الثقات 7 / 566 ، تذكرة الحفاظ 1 / 154 ، تهذيب التهذيب 11 / 34 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 1 ، وأبو داود في الصلاة باب 122 ، وأحمد في المسند 1 / 69 .